في مدينة أربيل وعلى قاعة النشاط المدرسي عرضت مسرحية هاملت تأليف وليم شكسبير وإخراج الفنان أرسلان درويش.

   افتتح العرض بوصف موجز لقتل الملك تجسد ذلك من خلال رؤيا سينمائية وضعها المخرج داخل مشهد الخيانة والغدر والذي استعان به ليكون المشهد الاستهلالي للدخول بنص العرض.

هذا المفتتح انتقل بنا الى منصة الخشبة التي زاوج بها المخرج بين الحاضر والماضي مازجا عصر شكسبير بعصرنا الان (وهنا) بمرافقة مجموعة من المايكات التي تصدرت الصورة المشهدية المرئية الأولى للدخول بعالم فضاءات العرض المسرحي. مايكات تتوزع بترتيب غطى مكان الخشبة بعناية قصدية وبإشارة الى الاعلام وما يبثه من خطاب متنوع هذه الالة الزمنية الحاضرة بين صوت الإعلام الماضي وصوت الاعلام الحاضر فكانت اعدادها الستة متوافقة وشخصيات العرض باختيار وعناية دقيقة كي تصل بنا الى رسالة مهمة أرادها درويش ضمن العرض الذي تجسد على لسان كل الشخصيات بصوت واحد مدوي هذا الصوت يأخذ مداه في اختراق الأزمنة والامكنة بعوالم وفضاءات بعيدة بإرادة اخراجية وباستعارة الهناك من زمن بعيد وهو الزمن الشكسبيري منتقل بنا الى الزمن الحاضر، ضمن رؤيا لها ابعادها السياسية التي اختلفت بين جميع الرؤى التي قدمت هذا النص.

أرسلان درويش

هنا استطاع درويش الكشف عن العقيدة الإخلاص الحب السلطة الشهوة وغيرها كل هذه المفاصل اجتمعت بسلطتين سلطة الشعب وسلطة الطبقة الحاكمة والذي تمثل بالرجوع الى تاريخ الشعوب وليس تاريخ شعب معين، اختراق زمني درامي تداركه المخرج بتكثيف عالي للأحداث وحوارات الشخصية بعدة مفاصل التي بثها العرض وبدلالات متنوعة منها الداتاشو التي كانت من اهم الشخصيات التي وظفها المخرج في تحقيق بناء عملية الكشف عن ما يحدث وبهذا اختصر لنا ازمنة وتاريخ مقنع ضمن فضاء افتراضي عابر من خلال الجملة العالمية التي اطلقها شكسبير كينونة الوجود على لسان هاملت (أكون او لا اكون) ذلك هو السؤال الابدي الذي اصبح الهم الكبير لكل من كفتي السلطة والشعب تناصا دلاليا لقراءة التاريخ الإنساني بفهم الحاضر السياسي. (نعم) قد بدت رغبة العرض ملاحقة لصورة النص الجمالية التي رسمها شكسبير بخطة مدروسة للشخصيات والتي لونها درويش بنظرة جديدة لدور الشخصيات فكانت هناك نظرة مختلفة لدور المخرج في رسم خطته الاخراجية بتقمصه لعدة أدوار منها دوره كدراماتورج و دوره كناقد بتحريك عصى الإخراج محرك بها بذلك الفضاء العام فكانت لهذه الشعرية الممتزجة بخلطة سحرية اثرها بتقديم شخصية هوراشيو وهو يسرد حكاية هاملت وهنا كان التلوين والسحر مختلف تماما وسأوضح نوعا ما سحر هذا الاختلاف بفلسفة المؤلف والمخرج معا. لنفترض لو كان سرد احداث العرض والنص وقع على لسان الام الملكة او على لسان بولونيوس لما كان هذا الاستحواذ والكشف الصادق لأحداث وسير البناء الدرامي، لذا كان العرض هو لهوراشيو الشاهد لكل العصور من خلال تقديمه لهاملت والذي اكد وقال لنا "سنقدم هاملت كما نراه اليوم كما نراه نحن"، هذا الراوي كسر به درويش افق توقع المتلقي بان يكون هو البديل للشخصية الرئيسية والتي حملت عنوانها (هاملت) برغم عمق هذا العنوان وهذه الشخصية الا انها هنا كانت شخصية لا تختلف كثيرا عن باقي أدوار شخصيات المسرحية الأخرى بادائية تمثيلية كاشفة للخفايا تؤدي دورها الشكسبيري ضمن الاحداث في حين كانت لشخصية هوراشيو الوقع المهم فهو لسان حال درويش المخرج هو من أسس للأيمان بالشبح والذي ظهر ذلك بشكل جلي ضمن فلسفة هاملت وامن به ونحن اليوم ما احوجنا للأيمان بالشبح بعالم مليء بالحروب والموت والظلم، الموتى هم اصدق ولهم الشجاعة الكافية بقول الحقيقة. هذه الرؤيا الاخراجية التي ارتأها درويش للخروج بالنص من ارسطيته الى عالم اخر بمنهج ارتأه مكمل ومرافق للارسطية المنطقية رؤيا ثورية يكسر بها المنطق ويمزجه بنمط وأسلوب معاكس تماما أسلوب برختي ثوري تحريضي استفزازي تحقق بكسر حاجز الجدار الوهمي الفاصل بين الخشبة والصالة وباختراق تلك المسافة الجمالية التي تفصل بين الاثنين ليدلي بدلالاته ورسالته المبطنة والتي فهمتها (انا) كمتلقية للعرض بانه يريد اين يقول ان كل ما حصل بصالة العرض نحن شركاء فيه فهاملت امس هو هاملت اليوم يشركنا ليقول ان السلطة مستلبة وهناك قتل بدون حق وحكام اردناهم نحن ليتسلطوا علينا بإرادتنا. رسالة تقول ان الشعوب هي من تؤسس وتبني الدكتاتورية بإرادتها. إشارة أخرى من إشارات العرض تقول بان الشعب الذي يسعى الى صناعة الدكتاتور كي يحكمه بتلك الدكتاتورية. ذكاء اخراجي مهم بمشهد تتويج الملك وبحضور الشعب المبارك لذلك التتويج، ماكينة تجتر نفسها بصيرورة تواصلية أراد بها درويش بث دلالاته بأن الشعوب هي نفسها لا تتغير عبر الزمان او المكان.


هكذا تعامل المخرج بنفس ما تعامل به المؤلف واقصد عكس نفس الفلسفة العالية التي كتب بها شكسبير نصه، بسيكولوجية عميقة داخل عوالم شخصية هاملت المليئة بالشك والتشكيك وهذه احدى مظاهر الصدمة التي يعبر بها
د.منتهى طارق المهناوي

المصدوم ضمن فضاء السخرية واليأس، مظهر اخر لكشف الحقيقة تشكل عبر سلسلة حوارات وجودية كونية بلسان هاملت الفيلسوف المبهم العبثي المجنون.. من هنا أصبحت دينامية أخرى ضمن مفردات الحوار الذي تشكل بفيض من الأسئلة التي ارتبطت نسبية ارتباطها بنسبية الشك للوصول الى الحقيقة اذ حاول المخرج رصد هذه التكرارية للأسئلة الوجودية بتوازن نفسي حرص به على تفاعل المتلقي والحالة النفسية اثناء حواره لبنية الشخصية التركيبية بتوافق اخراجي بين الكفتين لتلتقي بها رؤيا الفضاء الزمني الذي عبر حدود الرؤيا بما مرت به الاحداث التاريخية للشخصيات موضحا به ضمن القلق الوجودي المفترض لشخصية هاملت على فرضية الحقيقة. حقيقة الخيانة من اجل السلطة ضمن مدركات ذهنية وعاطفية بامتزاج لمدرك الحوار وردود أفعال انعكاسية تعبيرية يضعها المتلقي على شكل صورة ذهنية تفاعلية تتضمن رؤى وتأويلات مختلفة للعرض.

هذه هي حال السلطة كما وضحها هوراشيو تأتي بشتى الوسائل وأقبحها بإشارة منه بعصى إخراجه وضح ان الأمير العاشق هاملت الذي جعل من اوفيليا الضحية، هنا كان موضع اخر لاستلاب السلطة حتى لو كان عن طريق سلب الحب والمشاعر من المحبوب. فالجريمة وتبريرها بين رفضها وقباحتها ضمن مشاهد درامية مركبة أطاح ببناء العائلة الواحدة. صورة تتعدى في مفهومها الإنساني العميق الصراع على السلطة.

فحلم وطيف الاب يمكن تفسيره بأنه التاريخ بين الحاضر والماضي بين شخصية الملكة الام التي تزوجها العم بعد جريمة القتل للاستيلاء على السلطة والتي رمز لها المخرج بانها تلك الأرض التي تستباح. هذه الأرض التي يتكالب عليها جميع الأطراف ومن شتى الجهات. أفكار بثها نص العرض برموز وشفرات ضمن دلالات مبطنة بمحتواها القصدي العميق والذي يمكن من عملية التأويل بأشكال مختلفة وفقا لمستوى الادراك والوعي الذي يمتلكه المتلقي ضمن قراءته لما وراء القصد وما يحدث خلف الستارة. وهذه تحتاج منا بعد بالبصر والبصيرة الاعمق للوصول الى رسالة العرض والى حقيقة ما يحدث من زمن وتاريخ بعيد ليومنا هذا. فهاملت ما يزال وسيبقى من اهم واكثر الاعمال التي يمكن ان نقتبس فكرتها ونعيد بناءها ضمن ازمنتنا و وضعنا الحالي.

  المخرج وبمهارة عالية وبذكاء محنك استطاع ان يتولى من شخصية هاملت معالجة لقضية سياسية مهمة وهي نوع وشكل وطبيعة التحولات السياسية التي تلتحق بها التحولات الأخرى المرتبطة بطبيعة ذلك العصر وكل عصر مماثل. فمهمة هاملت هي ليست الانتقام ولو كان انتقم لأصبحت قضيته قضية عادية جريمة كباقي جرائم اخذ الثأر. هاملت استطاع وبساعدة هوراشيو صديقه ان يتدبر امر قتل الملك وهو يصلي لكنه لم يفعل وتردد في القتل واخذ دور المفكر المحنك لمصدر الرؤيا بتجاوز الواقع من خلال تردده الذي على شخصيته يصل بنا بذلك الى الحقيقة وإيجاد الطرق المناسبة للكشف عن الخيانة التي تجسدت بشهد المسرحية داخل المسرحية والتي تولت مهمتها تقنية او شخصية العرض الداتاشو بجانب مراقبة استخباراتية لهاملت لكشف الحقيقة فكانت الضوء الذي يبحث عنه في كشف الحقيقة. حتى في مشهد قتل بولونيوس هذا المشهد كان الحدث المهم قبل مقتل العم الملك الي يحيلنا الى ان التدرج في الاستيلاء على السلطة ضمن مستويات الشخصيات والتي اعلن عنها المخرج بان الثورات هكذا تقام بشرارة تمثلت بقتل بولونيوس. كذلك تدرج اخر حينما يتذكر هاملت وصية ابوه بأمه وهو يقول له لا تؤذيها يا هاملت دعها للسماء. هذا يحيلنا الى ان الاشتراك بالجرم يمكن ان يحدث دون ان يدرك الانسان انه مشترك مهم واساسي بذلك الجرم وهذا ما اتضح بشكل ملفت بشخصية الملكة الام والتي كما رأيناها اثناء العرض قد ظهرت بكل مشهد مرتدية لفستان جديد بهيئة جديدة وهذا دلالة على انها أداة مشوهة حاجتها هي إرضاء ذاتها الغريزية غير مبالية لكل ما يحدث حولها بتجسيد للزي واللون الذي ترتديه بكل مشهد ضمن سير الحدث والتي تراوحت بين الحزن المتسم بالسواد والحب والغريزة المتسم باللون الأحمر وهكذا كان سير باقي الشخصيات بأبعاد زي الوانه، مثل شخصية هوراشيو هذا الانسان الذي اعتبره المخرج والكاتب هو ضمير الشعب ولسان حال، حاله هو الطهر والفلسفة هو العارف بكل الأزمنة والمتأمل لما يحدث لذا كان لونه الأبيض مستحوذ على شكله الخارجي. في حين ظهرت اوفيليا ببدلة رمزية مركبة للونين متضادين ظهرت بهما بمشاهد تركيبة الشخصية هما الأسود والأبيض بين الحزن والسعادة والنقاء والطهارة وهي تتذكر بحواراتها هاملت حتى لتصل نهايتها بموت ذلك الطهر والعفة بمقولة هاملت الوجودية (أكون او لا أكون) نهاية بموت مشرف ضمن تكرارية وجودية لاوفيليا لينهي المخرج عرضه المسرحي.

وضمن سياق وبفضاء بسيط يخلو من الفخامة اعتمد المخرج رؤياه ومعالجته التي كانت تحتاج سعة مكانية أوسع مكان يحتضن هذه الاحداث بسبب ان درويش قد قسم المسرح واشتغل بكل مفاصل تقطيعاته بدقة عالية وبإتقان لذا كانت الحركة قد فقدت جماليتها واختنقت من ضيف تحركها بمديات جماليات الرشاقة الحركية لجسد الممثل. ولكن رغم كل هذا الضيق المكاني الذي لابد له ان يتسع ليأخذ فضاء العرض استحقاقه كان هناك حضور اخراجي واضح وحضور تمثيلي مهم شخصيات برعت بتناسقية تكوينية وبتوجيهات سلطوية للمخرج في صناعة ممثل قادر على أداء دوره بكل انسيابية علما ان اكثر الشخصيات لم تكن اكاديمية ومنها من لم يعتلي الخشبة فكانت بصمة الصناعة واضحة في الأداء التمثيلي ببث صور دلالية ضمن تحولات سير الخط الدرامي لها، المخرج قدم لنا توافق هارموني للعرض نلخصه كما مبين ادناه:

1.    هارموني الرؤيا الاخراجية.

2.    هارموني الأداء التمثيلي.

3.    هارموني التصميم والسنوغرافيا.

هذه الهارمونيات امتزجت لتكون فضاء عرض لامس فلسفة النص ضمن بعد فكري مستقبلي وما لاحظناه هو توضيح لأنية الطرح بمعالجة للواقع الذي نعيشه. فكان الأداء التمثيلي. وسأبدأ من هوراشية الذي ولد الصراع ببناء تصاعدي للحدث فكان الأداء منسجما تماما في إدارة كفة الفضاء المسرحي وإدارة المخرج بالسطوة والسيطرة الواضحة على مفاصل العرض المسرحي. في حين ان دور هاملت هذا الفيلسوف المحنك العارف لما يريد ضمن تحولات الشخصية للبطل المنتقم الثائر والتي أسندت للشخص الصح في اقناع المتلقي لما يحدث لهذه الشخصية من تحولات سايكولوجية بتدفق ضمن دفة الوجود وبما انني انا كمتلقية في صالة العرض اقتنعت بانه مجنون عارف فكان بين الخيال والعبث وبين الحقيقة التي تأخذنا لزوايا الشخصية الحقيقية. رافقته في ذلك شخصيتين نسائيتين هي الملكة الام والحبيبة اوفيليا اثنان اتقنتا دور اللعبة المسرحية اذ كانت الام التي صنعها المخرج قد ابدعت في أداء دور المرأة الغارقة بذاتها والغير مبالية لما يحدث حولها في حين كانت اوفيليا هذه الفتاة الصغيرة بالعمر العملاقة على الخشبة بكاريزمية حضور مميز زادها جمالا بعكس ما رايته في شخصيتها الحقيقية خارج اطار الخشبة بدت كطفلة صغيرة وانا احادثها بتعجب واستغراب بانها هي من كانت تؤدي دور اوفيليا ابتسامة بريئة وبنية نحيلة انظر بتعجب غير مصدقة ما شاهدت من حضور على الخشبة هل هو هذا الجسد العملاق البريء امامي وهنا تكمن عملية البراعة بان يصنع المخرج ممثلين قادرين على أداء اصعب الأدوار بدقة واحترافية علمية اكاديمية بتتبعات للجسد الاعب على الخشبة وبتلاعب للصوت والخطاب والخلجات النفسية. في حين نرى شخصية بولونيوس هذا التابع للسلطة والمتملق من اجل ديمومتها على حساب ابنته كي يرضي اسياده رغم المشاهد التي ظهرت بها هذه الشخصية بين الحين والأخر لكن كان لها الفضل المهم في سير احداث العرض. بتمكن وقدرة للمثل في أداء دوره ليكون هو الحلقة المهمة في تحريك الحدث، ولو التفتنا الى شخصية شقيق اوفيليا لايترس التي ادتها الشخصية باحتدام سير الصراع بين هاملت وهذه الشخصية فكان الحضور موفق وله الوقع في امتاع المتلقي للصراع الدائر بين الشخصيتين بأخذ الثأر. وأخيرا وكنت قد تقصدت ان أعرج على شخصية الملك والعم والعشيق والقاتل كلوديوس اخر المطاف لما يملكه هذا الممثل من حضور وهيبة وابعاد في أداء الدور فكان ذا جمالية رائعة يستحق عليها الثناء. وأخيرا وصلنا الى الهارموني الأخير وهو السينوغرافيا والتي تعمد المخرج باستخدام الفناء الخالي من الديكورات الفخمة تجريدية مكانية برمزية ايحائية لكرسي العرش وما رافقها لجهاز للألة العرض الداتاشو ضمن مساحة خانقة لو كان المخرج استخدم اكثر من هذه القطع لكان قد ارهق المكان والصورة المشهدية للمتلقي فهي أيضا حنكة اخراجية تدبرها ورصد لها ادواته في بناء سينوغرافيا العرض فكان بديلها هي الحركة التكوينية للممثلين وبإضاءة فقيرة لكنها كانت غنية بالكشف عن زوايا الحدث والصورة الجمالية للعرض.

عرض مهم ويستحق التوقف عنده والتأمل بين ثناياه ومفاصله والكتابة عنه العرض كبير بتفاصيله غني بدلالاته الايحائية. وقد قدمت بشكل مبسط وبصورة موجزة تفسير وتفكيك شفراته المبطنة الذكية. ارجو لصناع هذا المنجز المسرحي الإبداعي التوفيق والنجاح.


شارك الموضوع :

حاتم عودة / مدير الموقع

تعليق على المقال:

0 comments so far,add yours