1

ثلاثة اشخاص يتحركون في مكان خال بخطوات حذرة، حريصون بوضع اقدامهم على الارض بهدوء، لايريدون ان يصدروا صوتا، أيديهم ممدودة للإمام تعوم باتجاهات مختلفة،  اما رؤوسهم مثبتة لا تتحرك، وكأنهم يتنصتون الى شيء ما، في عمق المكان، تبدو فتاة جالسة على الارض، مادة يديها للامام، يداها تحملان كرة من خيوط الصوف ، الفتاة تحرك رأسها على جهة ما فتثبته على


وضعية محددة مدة قصيرة من الزمن ثم تعود لتثبته على وضعية اخرى، كأنها تتنصت لشيء ما أيضا، تستمر على حركتها المتناوبة هذه طوال المشهد، لون ازرق باهت يسقط على الشخوص، في عمق المكان الفتاة ستكون محاطة ببقعة دائرية من ضوء أصفر، فجأة تعلو أصوات حشائش وادغال مسحوقة مصحوبة باقدام تركض وانفاس رجل تلهث، الرجال الثلاث يختفون من المكان، لتتصاعد بعدها اصوات الاقدام الراكضة التي ستكون مصحوبة بانفاس لاهثة، الانفاس اللاهثة ستكون متباعدة ومتمايزة في البدء لتتداخل مع بعضها فيما بعد، الفتاة مازالت على وضعيتها نفسها غير آبهة باالذي يحدث، فجأة تتوقف الاقدام عن الركض، ويهيمن الصمت في المكان، بعدها اصوات اقرب للهمس.

صوت الرجل1: ( بصوت واطيء) إننا نقترب منه.

صوت الرجل2: (بنبرة الصوت الواطئة نفسها) نحتاج الى الهدوء ولا تركيز.

صوت الرجل3: (بنبرة الصوت الواطئة نفسها)  لنبق على المسارات نفسها، أنه ضمن مجالنا الآن، ضيقوا عليه الخناق!

صوت الرجل1: (بنبرة الصوت الواطئة نفسها)لا ترفعوا اصواتكم، هيا اقتربا اكثر من بعض، فهو محاصر الان، لنحكم الطوق عليه.

صوت تشابك بالأيدي وتدافع بالأجساد، اصوات مقاومة شخص وتأوهات عالية، اصوات النباتات التي تسحق ترتفع اكثر، لايظهر من الرجال سوى اصواتهم فقط.

صوت الرجل2: هل امسكت به؟

صوت الرجل1: (بصوت مخنوق) تعالا ساعداني بأمساكه وايقافه لئلا يفلت من قبضتي، هيا ساعداني... تعال اغلق فمه، ان يحاول عضي، اغلق فمه.

الرجل3: هل هو بشر؟

الرجل1: لحظة، دعني اتلمس وجهه، يشبه البشر لكن لديه نتوءان في مقدمة الرأس لا أعرف ما هما..

الرجل2: دعني اتلمس النتوءين  انا ايضأ فلربما اعرف ما هما .

الرجل3: وانا ايضأ اريد ان اتلمس هذين النتوئين.

صوت صراخ عال، وصوت سقوط جسد على الارض، بعدها يدخل الغريب بقميص شبه ممزق، اثناء دخلوه للمكان يرمي جسده على عصا، يمسكها ويستعد للقتال بها، الاشخاص الثلاث يبقون خارج المكان، غير مرئيين.

الغريب: ابتعدوا عني ايها المجانين، ابتعدوا، ابتعدوا، سأقتل كل من يقترب مني، كدتم تفقأوا عيني، كدت افقد الرؤية.

صوت الرجل1: (بخوف) ماذا قال؟

صوت الرجل2: هل سمعت تلك الكلمة الغريبة التي قالها؟

صوت الرجل3: قال عيني، ما الذي يقصد بعيني؟!..

صوت رجل2: قال رؤية، ما الذي يقصد برؤية.

صوت الرجل1: ( محذرا) لا تقتربا منه، ابتعدا عنه، دعاه، لا تخوضا قتالا معه، ولا تلمساه، لا تعرضا نفسيكما للخطر، فهو في الحالات كلها سيكون محاصرا بهذا الوادي الذي لا يعرف مسالكه ، هذا الوادي قفص الغرباء، دعوه الان، انتظرا هنا سأذهب اليه انا وحدي كي اعرفه ، ابقيا هنا ولا تتحركا ابدا.

صوت اقدام تبتعد واصوات احراش ونباتات مسحوقة تخفت ايضا، الغريب ينسحب وهو يمشي للخلف وعصاه بيده وهو بوضع المتأهب، تختفي اصوات الاقدام والاحراش والادغال المسحوقة تماما، الفتاة التي كانت في العمق وعليها بقعة ضوء تنهض وتتجه الي يمينها لتعود ثانية للشمال، صوت اقدام وظلال  زرقاء شاحبة لرجل يتحرك قريبا من مكان الغريب، يدخل الرجل1 للمكان ويقترب من الغريب.

الرجل1: أخي ايها الغريب، اخي ايها الغريب..

يتأهب الغريب للمعركة ملوحا بعصاه يمينا وشمالا

الغريب: ابتعد عني، ولا تقترب، ماذا تريد مني؟

الرجل1: انا كنت مع الرجلين وحاولنا القبض عليك، وانا من طلبت تركك.

يتقدم الرجل خطوات، يبتعد عنه الغريب خطوات وهو يلوح امام وجه الرجل بالعصا، التلويح بالعصا. 

الغريب: لا تتقدم اكثر، قف مكانك، سأضربك بهذه العصا.

الرجل1: لا اريد بك شرأ ، انما جئت اسألك.

الغريب: قل ما عندك.

الرجل1: سمعتك قلت كلمتين لم افهمها، قلت عيني ورؤية، ما معنى كلمة عيني؟ وما معنى كلمة رؤية؟ )يتقدم خطوة صوب الغريب(

الغريب:(وهو يلوح بعصاه) قف في مكانك ولا تتحرك.

يتراجع للخلف الغريب، ويختفي من المكان، بعدها نسمع صوت اقدام راكضة واصوات حشائش وادغال تسحق بالاقدام، الرجل1 و يتلفت حوله، يلتف حول نفسه بحركة دائرية، برأس مثبت على وضعية واحدة يغيرها بين مدة واخرى، اللون الازرق يزداد عتم.ة

الرجل: اينك ايها الغريب، ما معنى عيني؟، ما معنى رؤية؟..

يتحرك رجل1 بالمكان وهو يردد الكلمات نفسها( ما معنى كلمة عيني؟، ما معنى رؤية، اينك ايها الغريب؟)، وهو يردد هذ العبارات، يتوقف فجأة فيضاء المكان بالازرق الباهت ليجد الفتاة صاحبة كرة الصوف امامه.

الرجل: (بإنفعال) منذ متى وانت هنا ايتها الفتاة؟

الفتاة: هل هذا السؤال لي؟

الرجل: نعم لك كانت.

الفتاة: لا شأن لك بذلك، هذه الارض هي حقل اهلي، هو مكاني أذن، انت ما الذي جاء بك الى هنا في ارضي؟

الرجل: ما الذي سمعتيه، هيا قولي؟

الفتاة: اتحقق معي انت؟ ما الذي تريده ؟ ابتعد من هنا، هيا ابتعد .

الرجل: (مع نفسه) عناد هذه ايتها الفتاة يستفزنب ويجعلني احلم وارغب بك، انت لا تشبهين الاخريات ، يسحرني هذا العناد والتمنع..

الفتاة: ( تنهره) لا تقف هكذا في طريقي،  اذهب من هنا، هيا اذهب..

يغادر الرجل المكان الذي سيظلم كله باختفائه من المشهد.

2

الغريب يقف متيبسا التمثال وهو بوضعية الاستعداد للقتال رافعا عصاه بكلتا يديه كالسيف.

الغريب: (مع نفسه) أين أنا؟، اي مكان هذا الذي سقطت فيه؟ الاشجار، الطرق، الشوارع كأنها خربشات مقصودة مخططة باليد (يستدير حول نفسه بخفة ثم يعود الى وضعيته السابقة) والبيوت، البيوت ليس فيها نوافذ، من كان هؤلاء الذين ارادوا القبض علي؟ (صمت) لقد بردت وتشنج جسدي بسبب وقفتي هذه، لقد خارت قواي، تعبت ولم تعد لدي القدرة للصمود اكثر، يجب ان استريح قليلا.

يضع الغريب عصاه على الارض ويقرفص قربها، يلم ساقيه بكلتا يديه على صدره، اصوات حشائش وادغال تسحق باقدام قادمة من بعيد، ظلمة تعم المكان، اصوات الاقدام تقترب اكثر، لون ازرق باهت يعم المكان، الفتاة تظهر بالقرب من الغريب، يقفز الغريب، يتناول عصاه بيده وينسحب للخلف مسافة خطوات وهو بوضع الاستعداد للقتال.

الفتاة: توقف! لا تتحرك! لا تبتعد اكثر من هذا!

الغريب: من أنت؟ ماذا تريدين مني؟ 

تقترب الفتاة اكثر، يتراجع الغريب للخلف، تصرخ به الفتاة.

الفتاة: قلت لك قف في مكانك ولا تتحرك، لا تتحرك اية خطوة للخلف، هل فهمت؟

يقف الغريب في مكانه مستمرا.

الغريب: وقفت، لكن لا تتقدمي انت (تقف الفتاة في مكانها) حسنا ابقي هذه المسافة بيننا، والآن ماذا تريدين مني؟

الفتاة: اصغ الي الآن، اسمع تعليماتي، انت الآن في مكان محاط بالفخاخ واي خطأ سيكلفك كثيرا، اسمع تعليماتي، انسحب بخطوتين صوب يمينك، انسحب باقدام زاحفة، والان خطوة للخلف (الغريب يستجيب لها وينفذ ما تطلبه تماما) حسنا، الان انسحب للخلف بثلاث خطوات خطوات، لا ترفع قدميك عن الارض وانت تنسحب، تحسس الارض بهما، ركز بقدميك فقط وانت تسمع ارشاداتي ( يختفي الغريب من المكان وتبقى هي وحدها في المكان) والان اجلس في هذا المكان فهو آمن، سأذهب اجلب لك ما تدثر به من البرد وبعضا من الطعام، ابق في مكانك ولا تغادره.

يعم المكان الهدوء الذي سيكون مضاء بزرقة داكنة، تمشي الفتاة مسافة قصيرة فتصطدم بجسد الرجل1 لتجفل.

الرجل1: مع من كنت تتحدثين؟

الفتاة: انت ثانية! ماالذي تريده انت بالضبط، لماذا تتابعني كاللص؟.

الرجل1: سمعتك تتحدثين مع احد، مع من؟

الفتاة: لا احد، ولا شأن لك بي، دعني امر ولا تقف في طريقي ايها المعتوه.

يقترب الرجل1 منها اكثر فيقطع عليها الطريق.

الرجل: هل تحدثت معه؟

الفتاة: من؟

الرجل: الصيد الذي فلت منا اليوم.

الفتاة: اي صيد؟ لم افهم عن اي شي تتحدث، دعني أمر.

الرجل: لقد كنت قريبة منه، ولا تنكري ذلك.

الفتاة: ابتعد عن طريقي هيا..

تدفعه عن طريقها وتمر، لتختفي في المكان، هو يصرخ خلفها.

الرجل: انا قلق عليك منه، انه غريب وليس من اهل الوادي، انه رجل ممسوس، يتحدث بكلمات غريبة، كلمات مبهمة، كلمات حين سمعتها ارتعد قلبي من الخوف وكادت انفاسي تنقطع ( لحظات صمت، ثم يبدا يتحدث مع نفسه) ترى ماذا كان يعني بعيني؟ ما معنى كلمة رؤية؟.

3

العجوز جالس على دكة وبيده مغزل، تدخل الفتاة مسرعة، تأخذ اغطية بيدها ثم تضعها على الارض، تختفي من المكان، صوت اواني ، تدخل الفتاة وفي يدها كيس، تنحني لحمل الاغطية.

العجوز: انك على عجلة من أمرك، ما الذي يحدث ايتها الفتاة؟

الفتاة: لقد عثرت على غريب مطارد من رجال الوادي.

العجوز:(بدهشة) عثرت على غريب؟!

الفتاة: لا وقت لدي ايها العجوز، هناك رجل في الحقل خائف وجائع وبردان ومطارد من رجال الوادي، ولا يعرف لا المكان الذي هو فيه ولا مكامن خطورته، يقولون انه كان يردد كلمات غريبة، كان يقول عيني ويقول رؤية.

العجوز:  (بدهشة) يقول عيني ورؤية؟ اين هو الآن تحديدا؟

الفتاة: في الحقل، حاولت ان اوصله لمكان آمن، لقد كان بمنطقة شديدة الخطورة.

العجوز: كل المناطق خطرة على الغرباء في هذا الوادي، انه وادي خلق ووجد لنا فقط، اما الغرباء فسيبتلعهم، يتحول الى رمال متحركة ويغرقون فيه، هل هو في مكان آمن؟

الفتاة: اخشى ان يكون قد انتبهوا لمكانه، شاهدني هذا احدهم وشك بأمري، حاولت التمويه، لكن لم اعرف هل نجحت ام لا.

العجوز: سآأتي معك.

الفتاة: لا وقت لدي ايها العجوز، سأركض لأصل اليه، اريد ان أصل وانقله لمكان آخر اكثر آمانا، لا اعتقد ان مطارديه سيتركونه.. سأذهب.

 

تضع الاغطية على راسها وتحمل كيس بيدها وتختفي، فيما العجوز يعود لمغزله يدور به.

 

4

الرجال الثلاثة يقتادون الغريب مكبلا، الغريب يحاول المقاومة بجسده، اصوات تدافع الاجساد والايادي، تقف الفتاة مذهولة حين تسمع هذه الاصوات، وتتجمد، وحده رأسها يتحرك حركات روبوتية، بعد كل حركة يتوقف رأسها لحظات، كمن تتسمع لتعود على تحريكه مرة اخرى بوضعية اخرى، الرجال مع الغريب يجتازون الفتاة، الغريب المحاط بالرجال يلتفت اليها، وهم يسيرون به الى الجهة البعيةد يبقى رأسه ملتفتا نحوها الى ان يختفي هو والرجال من المكان. الفتاة ستبقى وحدها في المكان.

الفتاة: (مع نفسها) هل خنته؟ هل كنت سببا في القبض عليه؟ هل كان رأسه ملتفا نحوي؟ ما الذي اراد ان يقوله؟ .

5

العجوز ممسكا ببندقية، ماسورتها ستكون مصوبة الى الشخوص الثلاثة الذين يقتادون الغريب مكبلا، وجه العجوز سيكون الى جهة اخرى، عيناه ليستا باتجاه الشخوص الثلاثة، بل بعيدا عن اجساد الشخوص، العجوز يسحب زناد البندقية.

العجوز: توقفوا، ان تحرك واحد منكم سأرديه قتيلا في الحال..

رجل1: (مندهشا) ماهذا الصوت الذي سمعته ايها العجوز؟

العجوز: بندقية.

رجل1: وما معنى هذا؟ ما الذي تريد ان تفعله بنا ايها العجوز.

العجوز: قلت لكم توقفوا ، هيا اطلقوا سراحه.

رجل2: ماالذي تقوله، امجنون انت؟

العجوز: الذي سمعتموه، هيا اطلقوا سراح هذا الرجل.

رجل3: انه رجل ممسوس، خطر، كيف سنطلق سراحه، لا يمكن هذا.

العجوز: لا تجعلوا صبري ينفد، هيا اطلقوا سراحه واعيدوه الى الحقل.

رجل1: ولكننا نحن من عثر عليه، وهو من حقنا.

العجوز: هيا لا تتذاكون معي، لقد عثرتم عليه في حقلي،دعوه هيا.

رجل2: (للرجلين)  لنترك هذا الغريب، يبدو ان العجوز جاد.

رجل3: ابعد بندقيتك عنا واترك لنا فرصة التركيز كي نفك وثاقه .

العجوز: اتركوه فقط، ابتعدوا عن حقلي، هيا، انا سأتكفل بحل وثاقه.

الرجل1: هيا ايها الرجال، لنغادر المكان ( يبتعدان مسافة ومن هناك يتوقف رجل2)

رجل2: سنشكوك لرئيس الوادي ايها العجوز الخرف...

يختفي الرجال من المكان، فيما سيبقى الغريب والعجوز، العجوز يقترب من الغريب ويساعده بفك وثاقه دون ان ينظر اليه، الغريب حين يصبح حرا من قيوده يتحرك حول العجوز، يلتف حوله ويستغرق في التأمل فيه>

الغريب: من انت ايها الشيخ الجليل؟ وماهذ الذي لم اره مثله من قبل؟  لماذا انقذتني؟ هل كنت تريد ان تقتلهم من اجلي؟ لماذا؟ انت لم تعرفني حتى!.

العجوز: امسك طرف البندقية، امسكه بقوة، واتبعني، سأرشدك الى مكان آمن جدا، مكان قريب من منزلنا، لا تتحدث كي لا تشوش، ركز الى وقع خطواتي، تعال خلفي (يمشيان الواحد خلف الاخر) هنالك مكان آمن قريب من منزلنا ستكون فيه، كوخ مهجور، هو عبارة عن مخزن، أغمض عينيك وركز لوقع الخطوات، اغمضها بقوة كي تركز، ففي هذه الاماكن يكون العمى أكثر سلامة من بصيرة حولاء..

يختفيان، ظلمة

6

رجلان، احدهما يصيح

الرجل1: سيدي الرئيس، يا سيدي الرئيس، اخرج الينا وتعال خلصنا، فهذا العجوز كاد يقتلنا ببندقيته نحن الثلاثة، لقد وجه الينا بندقيته من اجل غريب ممسوس، يهلوس.

يدخل الرئيس الى المكان

الرئيس : ماهذا الذي اسمعه؟ ومن هذا العجوز، وبماذا كان يهلوس الغريب؟

الرجل2: سيدي كان هنالك غريب عثرنا عليه في حقل عجوز، كان يتحدث بكلمات غريبة، كلمات لم نفهمها لكننا شعرنا بالخوف حين سمعناها، كلمات تصيب الارواح بالهلع.

الرئيس: (بإنفعال) لحظة، لقد قلت انتم الثلاثة اين ثالثكم؟

 الرجل1: سيدي لقد تركناه متخفيا في الحقل ليراقب ما يجري هناك.

الرئيس: هيا اكمل، ما الذي سمعتموه من هذا الغريب؟

الرجل2: سيدي كان يقول عيني، ويقول الرؤية..

الرئيس: (يصدم) ماذا؟ ...

الرئيس يتحرك بعيد عن الرجلين ويستغرق مع نفسه

الرجل1: سيدي الرئيس، سيدي الرئيس ( الرئيس سارح في مكان أخر) سيدي ما معنى عيني؟ ما معنى رؤية؟...

ظلمة

7

الغريب يجلس على الارض ، يلم ساقيه على صدره و يتحدث مع نفسه

الغريب:  هذا الذي يحدث صار يضيق بشكل مخيف، بدأ بواد عميق وواسع، وانتهى بكوخ مهجور ضيق، ضيق كالسجن، هذه الدائرة صارت تصغر وتصغر، ولا ادري متى ستضيق تماما لتتحول الى انشوطة تلتف حول رقبتي وتخنقني (صمت) اين تلك الفتاة، انها ندى هذا المكان وعطره ، ياالله تشبه الطائر بخفته المرحة، قدماها بالكاد تلامس الارض حين تمشي، لقد ساعدتني هي الاخرى، اريد ان امسكها بذاكرتي وتفلت، اين انا؟ ومن كل هؤلاء ؟ وما هذه العتمة التي تغلف كل شي، وكأني أعوم في ضباب لزج...

8

العجوز جالس على دكة، بين ساقيه يضع البندقية وراحتا يديه واحدة فوق الاخرى يضعهما على فتحة ماسورة البندقية، العجوز مع نفسه يتحدث.

العجوز: لكل منا خطيئة واحدة لها حصة الندم الاكبر، خطيئة واحدة هي الام المهيمنة، هي المركز وباقي الخطايا الاخرى ستدور حولها، في مدارها، هي الأصل، هي الوحيدة التي لن تهدأ، لن تغفو، لاهدنة فيها ولا لديها، تخرش الروح طوال اليوم، طوال الساعات، طوال الدقائق، طوال الثواني ( تدخل الفتاة، تسمع جدها يتحدث مع نفسها بصوت مسموع، تتوقف، بيدها  الطعام وعلى رأسها الأغطية) الخطيئة الأصل حجر لقبر نفسي، انها الوجع الذي يعلمك ان الزمن لا يتوقف ولا رجعة فيه، انها الهواء كالدبابيس، انها الذكرى، حدبة الروح المعذبة التي تتكرس وتترسخ في الرأس بتقادم الزمن، لا يمكن محوها، لانها ستكبر فيه وتكبر حتى تحتويه كله، عندها لا يمكنك استئصالها الا بتفجير رأسك برصاصة واحدة، برصاصتين، بثلاث...

الفتاة: (تقاطعه بخوف) ما الذي تقوله يا جدي؟

العجوز: (كالمستيقظ من نومه) منذ متى وانت هنا؟

الفتاة: سمعت كل الذي حدثت به نفسك.

العجوز: (يضحك) انه حوار مع النفس ، محاسبة وكشف حساب ايتها الصغيرة، لا عليك بكل الذي سمعتيه، هيا تعالي خذي هذه البندقية واعيديها الى مكانها في الجدار.

الفتاة: ماذا؟  بندقية؟!!

العجوز: (ينفجر بضحكة مدوية) تعالي خذيها وسأخبرك بالذي حدث، هيا.

الفتاة: تضحك ايها العجوز واني قلبي كاد يقف خوفا عليك.

العجوز: هيا تعالي خذيها.

تضع كيس الطعام على الارض وترمي الاغطية، ثم تاخذ البندقية وتعلقها بالجدار، تجلس وتضع رأسها على احد ساقي العجوز.

الفتاة: ها قل ايها العجوز ما عندك، فأنا حزينة جدا اليوم .

العجوز: حزينة لانك لم تجدي الغريب، اليس كذلك؟

الفتاة: نعم، كيف عرفت، هل خرجت خلفي.

العجوز: نعم، خرجت وأخذت معي بندقيتي القديمة، وجدت ثلاثة اغبياء يقتادون الغريب، اوقفتهم وانتزعته منه.

الفتاة: (بفرح) ما الذي تقوله ايها العجوز العظيم؟ هل حقا فعلت ذلك؟

العجوز: نعم فعلت ذلك، وتركت الغريب الان في مكان آمن قرب منزلنا.

الفتاة: اين؟ تعال معي دلني على هذا المكان كي اوصل اليه الطعام والاغطية التي عدت بها.

العجوز: انه في الكوخ  المهجور يا عزيزتي.

الفتاة تعود لتضع الاغطية على رأسها، وتحاول رفع كيس الطعام عن الارض لكنها تتوقف لتسأل العجوز.

الفتاة: جدي ما الذي جعلك تقوم بكل هذه المغامرة؟ انك حتى لم تعرف هذا الغريب.

العجوز: الندم هو الذي جعلني (ينفجر بالضحك).

الفتاة: كف عن المزاح ايها العجوز وقل الحق.

العجوز: لا ادري بالضبط يا بنيتي، هيا اذهبي للغريب، وأوصلي اليه الطعام والأغطية.

9

رئيس الوادي يداه خلف ظهره، يتمشى جيئة وذهابا متأملا بالأرض

الرئيس :(مع نفسه) من هذا العجوز الذي تعيش معه حفيدته؟ كأني أعرفه؟ حدسي يخبرني بذلك؟ .. اخشى ان يكون العجوز نفسه، ايعقل انه هو؟ عشرون عاما ولم ينس؟، عشرون عاما مضت وجاء لينتقم منا بهذا الغريب، جاء ليمحو ندمه بهذا الغريب، اما زال نادما؟(يصرح)  ايها الحراس، خبروا مجلس الوادي ان الرئيس يدعوهم لاجتماع مهم في الليل، هيا اسرعوا (مع نفسه) لقد شهر بندقيته على ابناء الوادي اذن ، يريد يقاتل هذا العجوز، هل اعلن تمرده وهذا الغريب سيكون شرارته لحرق الوادي؟ الرؤية والعينان كلمتان لا يرددهما الا الاخرق والذي لديه اوهام وضلالات، مجنون، مدمر، ولوثة ستحرق الوادي..  (يصرخ) ايها الحرس أئتوني بهذا العجوز صباح غدا.

10

العجوز يجلس على دكة وبيده مغزل وقبالته كومة خيوط صوف ملفوفة كالكرة وخيط منها متصل بالمغزل الذي يدور بيدي العجوز، تدخل الفتاة، تمسك بكرة الخيوط، وتاخذها بعيدا عن العجوز والخيط يمتد معها ويبقى مربوطا بمغزل العجوز.، الفتاة تتحرك بفرح غامر وبطريقة راقصة.

الفتاة: (تنشد) ما الذي ترك هذا الطائر الباحث عن حريته ؟ خيط طويل من دم ممتد خلفه، خيط طويل سيكون دليلا لطيور متمردة، غاضبة، تبحث عن سماء اخرى، سماء في الطرف الآخر من العالم.. لا تفتح نوافذ تطل على الالم، لا تتذكرحافات النهايات، فالسماء التي لونّها الغروب بكل هذه القتامة هي قلبي الحزين.

تختفي الفتاة من المكان، ينهض العجوز منتفضا

العجوز: كفي ايتها المجنونة عن ترديد مثل هذه الكلمات، توقفي، صه، لا ترفعي صوتك بها لئلا يسمعك الاخرون، حذار من ترديد تلك الكلمات المحرمة في هذا الوادي، من علمك كل هذه الكلمات الغريبة؟..

تدخل الفتاة ثانية وبحركة الرقص نفسها تحدث العجوز الذي يعود ويجلس على الدكة وبيده مغزله الذي سيدور ثانية.

الفتاة: لعلها روح ممسوسة حلت بي ولقنتني هذه الكلمات، (يظلم المكان الذي فيه العجوز) جدي، جدي هل تسمعني؟اريد ان اخبرك سرا لقد كنت اغبط طائرا مغردا كان يفقد صوته نهاية كل موسم، لقد كان يفقد صوته بعد ان يملأ السماء به، بعد ان تسمعه كل موجودات الكون، سيتلف المنطقة التي في دماغه و التي تكون مسؤولة عن الغناء ، يدمرها تدمير ذاتي، من داخله هو، وبارادته هو، اتعرف يا جدي لم يفعل هذا؟ لكي يعود من جديد ليتعلم صوتا غير مسموع قبلا، صوت لم تسمعه موجودات الكون من قبل، صوت غريب ونادر ووحيد..

الفتاة ما زالت تتحرك منتشية وسعيدة ، ظلمة

11

الفتاة تطرق الباب، يظهر الغريب، تناوله كيس طعام والاغطية، وتهم بالمغادرة

الغريب: توقفي، الي اين؟

الفتاة: (دون ان تلتفت اليه، وبصوت خافت وحزين) ماذا تريد؟

الغريب: أنت حزينة اليوم؟

الفتاة: نعم..

الغريب: لماذا؟

الفتاة: جدي اخذوه حرس رئيس الوادي اليوم.

الغريب: بسببي انا، اليس كذلك؟

الفتاة: نعم، لانه انقذك .

الغريب: لكني لست لصأ، لم اهدد احدا، غريب، مجرد غريب وقادتني الاقدار الى هنا.

الفتاة: لا أدري، اسمح لي بالرحيل.

الغريب: لحظة ارجوك، لقد سألني الرجال الذين حاولوا اعتقالي اسئلة ساذجة، غريبة، كانوا يتساءلون عن معنى العينين، وعن معنى الرؤية، هل حقا انهم لا يعرفون ؟

الفتاة: (باستغراب) ماذا قلت؟ اعد ما قلته ارجوك.

الغريب: (باستغراب) أنت ايضا لا تعرفين ما معنى العينين وما معنى الرؤية؟

الفتاة: دعني أركز لعلي اتذكر معنى هاتين الكلمتين، لاني اكاد اشعر بهما وكأنهما مدفونتان بأعماق ذاكرتي، اشعر بوجودهما لكني لا أكاد المسهما، كأنهما ذكرى لشيء تآكل، شيء فقد ملمسه، شيء بعيد ، بعيد جدا..

تختفي الفتاة من المكان

الغريب: أين انا؟  انتظري أيتها الجميلة، لا تتركيني هكذا، انتظري ايتها الندى.

تعود الفتاة

الفتاة: صف لي العالم بعينيك، صف الذي حولك، ودعني اسمع، اسمعني لعل هنالك ما يستحق ان تخبرنا به هذا الذي سميته انت عينين، اسمعني، فلربما سأتذكر أكثر، هيا أيها الغريب..

12

رئيس الوادي والعجوز يقفان في المكان، مسافة خطوتين بينهما، ظهرهما الواحد للآخر.

الرئيس: أنه انت اذن!.

العجوز: نعم، انه ايها الرئيس انه انا.

الرئيس: منذ متى التقينا آخر مرة هنا؟

العجوز: عشرون عاما.

الرئيس: هل تتذكر هذا المكان؟

العجوز: نعم اتذكره، بل ان هذه اللحظة تبدو لي كأنها مستعادة من ذلك الزمن، مستنسخة، مكرورة، رأئحة المكان، وقع الاقدام، اصوات الابواب التي فتحت والتي اغلقت، كأنها سمعتها من قبل.

الرئيس: ( يضحك) ليست مكرورة تماما، الزمن مشى وتغير الكثير، كنا اكثر شبابأ، اتذكر كنا نتناقش حول موضوع حفيدتك التي ولدت وهي مشوهة بنتوءين ولها اجفان، ولها رموش، ولادتها تلك اصابت اهل الوادي بالذعر، لقد خافوا ان تكون ممسوسة، بها لوثة ستحرق الوادي بلوثتها تلك التي ولدت معها، هل تتذكر ذلك؟

العجوز: ( بانفعال) تريد ان تذكرني بما حدث؟ اتظن أني نسيت ما حدث لتلك الفتاة، ابدا لم انس شيئأ، اتذكر كل تلك التفاصيل كالندوب في جسد جندي عاش طويلا بعد انتهاء الحرب، للأن لم افهم كيف وافقنا، وكيف انا  رضخت ووافقتكم.

الرئيس: انه ندم متأخر اذن، يا رجل لقد اتفقنا على كل شي، اتفقنا معكم على الذي يجب ان نعمله وعملناه.

العجوز: لم نتفق، لقد كنا خائفين، لقد غيبنا الخوف ايها الرئيس حينها.

الرئيس: (يصرخ) ما هذا الذي اسمعه؟ انه الندم لا يمحى الا الانتقام، هل تريد ان تنتقم ايها العجوز؟ قف لحظة، تنتقم من من؟ هل هذا هو سبب اشهارك للبندقية على ابناء الوادي، هل تريد التمرد ايها؟ هيا اخبرني؟ هل تريد ان تنتقم منا؟

العجوز: ليس انتقاما، انه الشعور بالذنب الذي يأكل بروحي، دلني على طريقة اكفر بها عن ذنبي، وسافعلها.

الرئيس(يصرخ) ذنب، ذنب، أي ذنب؟ الذنب هو لو بقيت الفتاة تشعر، وتتحسس العالم الذي يحيطها بتلك التنوءين، هل خرفت ايها الرجل، ما الذي اصابك؟

العجوز: لقد فات الاوان، لم يعد هنالك متسع بالعمر لسماع المواعظ والخطب، هيا قل الذي ماالذي تريده مني؟

الرئيس: نريد منك تسليمنا لهذا الغريب.

العجوز: لماذا؟

الرئيس: (ينفجر بضحكة مدوية) أنا لا اسأل ايها الخرف، انا السؤال وانتم الاجوبة، هل فهمت؟

 العجوز: (بإنفعال) قلت لك لماذا؟

الرئيس: (يضحك بارتباك) سأقول لك لماذا، لان الذي تحميه غريب ومهمتي حماية اهل الوادي من الغرباء.

العجوز: قل الحقيقة بوضوح، لماذا؟

الرئيس: انت تستجوبني ، ما الذي دهاك ايها العجوز الخرف.

العجوز: لانه قال كلمات اخافتك، اليس كذلك؟

الرئيس: لقد سمعت انه كان كان يردد عينين، ورؤية!.

العجوز: وتريد ان تفقأ عينيه، اليس كذلك؟

الرئيس: لست انا من يفقأ، انه القانون ايها العجوز الخرف.

العجوز: اتركني ليوم غد، وانا سأتصرف.

الرئيس: لا نريد ان نستخدم القوة ، دع الامور تجري بسلام.

العجوز: اتمنى ذلك، اين الطريق؟ اريد ان اخرج.

الرئيس: (يصرخ) ايها الحرس تعالوا ارشدوا هذا العجوز للطريق.

يقترب العجوز من الرئيس ويهمس باذنه

الرئيس: انت عجوز ايضا مثلي، لست شابا، في المرة القادمة اذا التقينا لا تردد هذه الكلمة ايها العجوز.

ظلمة

13

الفتاة تتحرك بطريقة تشبه الرقص

الفتاة: (مع نفسها) يا لكل هذا الشعر، ، كل هذا العالم الاحتفالي اعوم به الان كحورية، يا لعظمة تلكما النتوءين التي طل بهما هذا الغريب على امكنة ساحرة ومدهشة (صمت) سأحبك غدا، هل قالها؟ كأني سمعتها وكدت لحظتها أن المس يديه من فرط ما شعرت به من قرب، سأحبك غدا، سأحبك غدا (فجأة يظهر الرجل1 أمامها فتجفل وترترد خاىفة للخلف، بعدها تصرخ به) من؟!

الرجل1: أين كنت؟

الفتاة: (بإنفعال) انت تلاحقني اذن، انت في حقلنا، وانا التي لها الحق في سؤالك، هيا دعني امر ولا تعترضني.

الرجل1: هل كنت معه بالكوخ؟

الفتاة: اخرس، ليس لك الحق ان تسألني مثل هذه الاسئلة، هيا اغرب عن وجهي.

يمسك الرجل الفتاة من معصمها، وجه كل واحد منهما لجهة اخرى، ينظران للفراغ

 الرجل1: لقد سمعته يتحدث اليك، كان صوته يصلني عبر الجدار، كان يتحدث بكلمات مخيفة ومرعبة، كلمات تصف العالم جعلت جسدي يرتجف، انه ممسوس ويجب ان لاتقربيه، انا اخاف عليك.

الفتاة: ليس خوفا علي، بل انه خوفا على نفسك انت ايها الجبان، دعني أمر.

الرجل1: جبان!، ستدفعين ثمنا لإهانتك هذه.

تدفعه بقوة فيقع على الارض.

الفتاة: (تصرخ) اخرج من حقلنا ايها الجبان (تمشي بحركات متوترة مبتعد عن الرجل مسافة، الرجل سيختفي في الظلمة، تتوقف الفتاة وتصرخ) لا تبق هنا، سأخبر جدي، احذرك، هيا اذهب وخذ خوفك أيها الموهوم، خذه معك وارحل من هنا.

ظلمة

14

العجوز يمشي مسرعا باتجاه ومن الاتجاه المعاكس تأتي الفتاة، العجوز يحاول اجتيازها بسرعة

الفتاة: جدي..

العجوز:  (يقاطعها) لا وقت لدي، انا في عجلة من أمري.

الفتاة: ما الذي قاله لك رئيس الوادي؟

يتوقف العجوز بعد ان يجتازها، ظهره سيكون صوبها وهو يتحدث.

العجوز: فيما بعد، فيما بعد، اريد ان التقي الغريب أولا، اذهبي للبيت، اقفلي الأبواب جيدا، لا تخرجي، سأعود حالا.

الفتاة: ما الذي حدث ايها العجوز، لقد اقلقتني.

العجوز: (بغضب) أذهبي للبيت، وسأعود حالا.

الفتاة: حاضر، سافعل.

يتركها ويغادر مسرعا، الفتاة تختفي من المكان، مسافة ويتوقف العجوز لينادي على الغريب.

العجوز: ايها الغريب، ايها الغريب، اينك؟

الغريب: (صوته من خارج المكان) من، من انت؟

العجوز: انا العجوز جد الفتاة وصاحب الكوخ والحقل، هيا اخرج، اريد ان اتحدث اليك.

يظهر الغريب، يقترب منه، يأخذه العجوز جانبا ويبدأ بالحديث معه بصوت اقرب للهمس.

الغريب: نعم ، تفضل يا شيخي الجليل.

العجوز: أريد ان اسألك بعض الاسئلة.

الغريب: نعم تفضل، انا حاضر .

العجوز: هل تعرف اين انت الان؟ هل تعرف اسم هذا الوادي؟

الغريب: لا، يا سيدي لا اعرف.

العجوز: كنت اظنك قد سألت الفتاة واجابتك.

الغريب: لم افعل، لقد كنت مأخوذا بما يجري حولي، اردت ان استعيد توازني كي افهم ما يحدث حولي، كل شيء مضطرب ومشوش حولي يا سيدي، انا الآن لا اعرف هل اعيش واقعا ام كابوسا؟ ساعدني وقل لي اين انا، ماهذا المكان الذي بيوته بلا نوافذ، والناس تتحدث مع بعضها دون ان ينظر احدهم للاخر، تماما كما تفعل انت الان معي، وكما تفعل فتاة الحقل الجميلة، لقد سألتني ان اصف لها ما كنت اراه، وكنت اصف لها الاشجار والسماء والطيور، اصف لها وجهها، بشرتها، مشيتها، لقد كانت تبتسم مثل طفل يحلم، هل كانت تتذكر يا سيدي؟

العجوز: ماذا قلت؟ لقد كانت تبتسم مثل طفل يحلم، هل كانت تتذكر ( يبتعد مسافة ويحدث نفسه) هل كانت الفتاة تتذكر ماحدث لها قبل عشرين سنة، وهل كانت تذكرت من تواطأ على ذلك؟ يا ألهي...

الغريب: (يقاطعه) سيدي، سيدي لقد جئت لتقول لي شيئا.

العجوز: نعم، تعال، اينك، هات يدك دعني امسكها (يمد الغريب يده ويمسك يد العجوز) اسمع ايها الغريب انت الان في وادي العميان.

 الغريب: وما معنى هذا؟ اريد ان افهم.

العجوز: أنت في وادي لا يعيش فيه سوى العميان.

الغريب: عميان! ولكن الناس هنا يتحركون بثقة في المكان.

العجوز: هذا لأنه المكان مصمم لنا، نعرف تفاصيله بدقة عن ظهر قلب.

الغريب: سيدي الجليل، هل انت اعمى ايضا؟

العجوز: انت ترى، لك عينان اليس كذلك؟ اذن لا مكان لك في الوادي، وهذا ما جئت من اجله لأخبرك به.

الغريب: لم افهم سيدي، ما الذي تريد قوله يا سيدي.

العجوز: لست انا الذي اريد، بل هو قانون الوادي واعرافه يا ولدي (صمت) اصغ الي جيدا، ان بقيت هنا ستقفأ عيناك،هل فهمت، واذا اردت ان تهرب فهذا الوادي لايعرف ممراته وطرقه السالكة وفخاخه سوى العميان، كل شي مصمم للعميان، وحدهم هم فقط من يستطيع العيش فيه.

الغريب: (بخوف) وماذا افعل؟

العجوز: لا ادري، فكر، وتذكر ان الهروب سيكون متاهة تكون فيها الممرات التي تؤدي الى الحياة شبه مستحيلة، او..

الغريب: (يقاطعه) لقد فهمت الان..

العجوز: فكر واختر حلا، سأقاتل معك اذا اخترت خيارا ضد رغبة قانونهم وضد اعرافهم، لن تكون وحدك.

الغريب: تقاتل من اجلي، لماذا؟

العجوز: من اجلك، ( مع نفسه) وربما من اجل ندم اريد محوه (يعود بصوت عال) هيا، سأتركك لتفكر، لدينا وقت للصباح ، سأذهب.

ظلمة

15

 المكان مظلم، لا ظهور للشخوص، اصوات فقط

صوت رجل: (يصرخ) يا رئيس الوادي، سيدي الرئيس.

الرئيس: ماذا خلفك؟

صوت رجل: سمعت شيئا تقشعر له الأبدان يا سيادة الرئيس.

 الرئيس: ماذا؟

صوت رجل: سيدي الرئيس سمعت احد الاطفال يردد ما كان يردده الغريب.

الرئيس: ما الذي تقوله ايها المجنون؟

رجل: لقد سمعت طفلا يردد عينين، رؤية.

16

الغريب جالس على الارض متكورا، رأسه غاطس بين ساقيه، قربه عصا على الارض.

الغريب: (يتحدث مع نفسه) ما الذي تريد ان تراه أكثر مما رأيت؟ ألم تمتليء ذاكرتك بالصور؟ هل هنالك مساحة فارغة في رأسك ظلت ولم تحش بكل تفاهات العالم وسخافاته؟ ما الذي جنيته من كل هذا التكديس؟ لم أنت خائف، خائف وحزين (صمت)، سترى أفضل وعيناك مغمضتان، العالم سيكون أكثر وضوحا وانت لم تره، البصر حاسة مشوشة، مربكة ومخادعة (يصرخ) اخرسوا هذه الاصوات فأنها توسوس الي، اخرسوها (صمت ثم يعود بصوت هاديء) دبيب في رأسك، اشياء ناعمة، متصلة، تزحف فيه، ما كل هذه المسارات الطويلة الممتدة كخيوط من النمل؟  لحظة، ما كل هذه الألوان التي ساحت وتداخلت مع بعضها؟ هل هي صور دمرت نفسها بنفسها؟ هل هي ذكريات تنتحر في رأسك؟ هيا انهض، أنهض فليس هنالك متسع من الوقت، خذ هذه العصا تمرن عليها، تمرن على تحسس العالم بها، تمرن، تمرن وتمرن، فيما تبقى من عمرك ستكون هذه العصا حاسة بصرك، لا تنس هذا (يقف ويصرخ) اخرسوا الاصوات التي توسوس الي، اخرسوها (يتحرك صوب العصا، ينحني ويمسكها بيده، ثم يقف متكئا عليها، ويمشي بها)  ما الذي تريد ان تبقيه في رأسك من صور لتتذكرها، صديق نذل، امرأة هجرتك، حياة جاحدة (ثم يصرخ) ابعدوا هذه الاصوات عن رأسي، ابعدوها، ارجوكم ابعدوها (صمت) اترك هذه العصا، ابعدها عنك، انها افعى!..

ظلمة

17

العجوز جالس على الدكة، فجأة طرقات قوية على الباب، الفتاة تدخل للمكان وتقف خائفة قرب العجوز.

العجوز: من الطارق؟

صوت رجل: نحن حرس الرئيس>

العجوز: ماالذي تريدونه مني في هذه الساعة؟

صوت رجل: الغريب، الرئيس يريد الغريب.

العجوز يركض صوب الجدار ويتناول بندقيته، الفتاة تركض خلفه وتقف ماسكة كتفيه

العجوز: ولكني اتفقت معه الى يوم غد.

صوت رجل: افتح الباب وسلمه لنا الآن، لا تجادل ايها العجوز.

العجوز: (يهمس للفتاة) اذهبي من الباب الخلفي وخذي الغريب بعيدا.

الفتاة: (بهمس) ماالذي يدور في رأسك ايها العجوز.

العجوز: ليس هنالك وقت، خذيه بعيدا، وانا سأبقى هنا أشاغل الحرس.

الفتاة: ولكن يا جدي..

العجوز: (يقاطعها) اذهبي هيا..

تزداد الطرقات قوة على الباب، الفتاة تغادر المكان، العجوز يسحب زناد البندقية.

صوت رجل: لا تقاوم ولا تتهور ايها العجوز، جئنا اخذ الغريب فقط.

العجوز: لن اسمح لكم بذلك، سأقاتل ، هل فهمتم سأقاتل ولن أسلمه مهما كلف الثمن

اصوات الطرقات على الباب تتعالى، العجوز يأخذ وضع التأهب والاستعداد.

ظلمة

18

الفتاة تظهر في المكان وهي تركض بخطوط ملتوية، تقف وتطرق باب

الفتاة: افتح الباب ايها الغريب.

الغريب: ما الذي يحدث؟ ما الذي حدث؟

يظهر الغريب قرب الفتاة واقفا

الفتاة: تعال معي، تعال ارشدك للطريق، لقد جاء حرس الرئيس لاعتقالك.

الغريب: الى اين ترشديني؟ سأذهب اليهم، لقد حزمت أمري وقررت ان اكون مثلكم.

الفتاة: لا، الوضع قد تأزم، جدي رفض تسليمك، سيقاومهم، وطلب مني ان اهرب بك الى مكان آمن، جدي يعرف نوياهم اكثر.

الغريب: ولكن..

تمسكه من يده وتسحبه خلفها.

الفتاة: (تقاطعه بشدة) لا وقت لدينا، تعال معي، انا امسك بك الان ، لا تخف من مفاجآت الطريق مادمت معي، سأصل بك  الى المنتهى، الى الامان نفسه، الى خارج حدود هذا الوادي، سأقودك انا فلا تخف، هيا تعال معي..

تركض الفتاة بخطوط ملتوية، ومعها الغريب خلفها، ماسكة بيده، صوت اطلاقات النار تتعالى خلفهما، فيما هما مازلا يركضان بمسارات ملتوية الى ان يختفيا من المكان..

 

انتهت

 

* المسرحية مستلهمة من قصة ( بلد العميان) لإج جي ويلز.

الكلمات المفتاحية :
شارك الموضوع :

حاتم عودة / مدير الموقع

تعليق على المقال:

0 comments so far,add yours