صدر للكاتب والمخرج المسرحي المغربي أحمد أمل نص مسرحي جديد ومثير تحت عنوان «جرح في عضو رجل»، عن مطبعة بلال في مدينة فاس. الكتاب الواقع في 73 صفحة من القطع المتوسط، أنجز غلافه الفنان المسرحي والسينوغرافي المغربي عبد المجيد الهواس، الذي جعل من وجهي بيكيت وأمل وجها واحدا.
في مغامرته المحسوبة إبداعيا، بدا أحمد أمل موفقا في إثارة حيرة المتلقي وفضوله أيضا، من خلال بوابة الكتاب، وهي العنوان الذي يحيل على الكثير من التأويلات المفردة، وحتى بصيغة الجمع بالنسبة للمجتمع المغربي المتميز دائما بكونه محافظا حتى في أقصى حالات حداثته. كما نجح أمل في أن يجمع حوله أقلاما قررت أن تبصم حضورها في مؤلفه الجديد، فكان أن كتب المسرحي المغربي المسكيني الصغير ورقة موجزة، لكنها بليغة جدا، هي أول ما يصادفه القارئ عند تصفحه للكتاب. المسكيني اختار «سؤال الجرح» كعنوان لورقته، وقال فيها إن كاتب الجرح يصر على «أن يجعل جرحه مدخلا يثير فضول القارئ المهتم وهو ينصت بقلبه وعقله إلى حوارات تتقمص المسكوت عنه. ندركه ونقترب منه… حينما نتعرف عن دور أبطال هذا الحكي الغني والمتميز».
أما التقديم الرئيسي للكتاب، فقد وقعه الأستاذ الباحث في الفلسفة وعلوم التربية والمهتم بالمسرح محمد مصطفى القباج، الذي أكد في عنوان ورقته التقديمية أن المؤلف «نص تجريبي طلائعي ملتزم يذكرنا بالزمن المسرحي الجميل». وبعد غوص جميل في النص التخييلي كما وصفه كاتبه، يقول صاحب التقديم «ما أحوجنا لمثل هذا البيان في نصوصنا المسرحية لترقى إلى المعاصرة، وإلى ما يرفع من منسوب الذائقة الفنية الجمالية التي نفتقدها في ما نقرأه ونشاهده من المسرحيات».
قلم آخر يضاف إلى البقية، وكان توقيع لحسن احمامة في ظهر الغلاف، بورقة مقتضبة، لكنها بدورها كانت عميقة واستهلها بالقول «هذا تخييل ممتع جدا، ليس من خلال محكيه الشيق وحسب، وإنما من خلال البراعة التي أبان عنها الكاتب والمخرج المسرحي أحمد أمل». وينتهي احمامة في ورقته المختصرة، إلى أن «جرح في عضو رجل، نص بقدر ما هو قصير، فإنه يجر في أذياله جزءا كبيرا من التراث الإنساني».
ونعود إلى الكتاب الصادر حديثا، لأحمد أمل وتمكنه من المزاوجة بين التخييل المسرحي والروائي، بل فاض القلم ليشمل السيناريو أيضا وهو ما راكمه الرجل طيلة مسيرته المسرحية، مبدعاً وملقناً، فهو أستاذ سابق في المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي. النص التخييلي، كما يصر صاحب المؤلف على تسميته، وأبرز ذلك في الغلاف، يستعيد بيكيت وغودو وشخصيات من الخيال ويدخل في حوار فلسفي شيق، لكنه غير ممل، لأن النص برمته قصير حجما وطويل مضمونا، المعنى يغلب القالب هنا، ويبقي على مسافة شوق دائمة لما ستأتي به الحوارات المقبلة.
المشاهد كانت بمثابة إعلان ميلاد عوالم بأسرها، وذلك الوصف الدقيق للشخصيات، مثل هذا المشهد الافتتاحي حين يقول «كان سرواله وسخا. ملوثا بالسواد. به بقع من الزيت أو ماء. ما أثار انتباهي أنه مبلل ناحية عضوه. لا شك أنه بال بشكل إرادي».

من الوصف الدقيق للشخصيات وحالاتها النفسية والظاهرية، يتحول الكتاب والنص التخييلي إلى تفتيت لمسرحية بيكيت «في انتظار عودة غودو»، هكذا إذنْ دون عناء من القارئ يمنحه أمل غوصا مبسطا في أعماق المسرحية الشهيرة التي صارت مضرب مثل في انتظار الذي لا يأتي. وذاك هو مربط الفرس بالنسبة للكاتب، حينما يقول على لسان الشخصيتين الرئيسيتين «استراكون» و»فلاديمير»، «ألم تلاحظ يا صاحبنا العزيز، أن المنتظرين ازداد عددهم لإيمانهم بوجوده. أنت نفسك. ألم تنتظره معنا. قراء ومشاهدة؟». القصد هنا على «غودو» والانتظار المر الذي لا يفضي إلى أي وصول، لكن أحمد أمل وصل في نصه إلى وجهته وهي صياغة تخييل إبداعي يثير القارئ ويفتح أمامه شرفة الفهم. في نص أحمد أمل يأتي غودو ويدق الباب ويتحدث ويحذرهم من أكل ثمار الشجرة، ويمر الكاتب إلى السؤال التالي، «كيف ستكون شمس الغد؟ كيف سأكون أنا؟».
ويتحول الجرح في عضو رجل الذي شكل محور النص التخييلي، من لغز إلى جسر عبر من خلاله أحمد أمل إلى قلق السؤال ورحابة الفكرة الفلسفية وجمالية المشاهد المسرحية؛ حيث حضرت الأهواء مكتملة بين الأسطوري من خلال الشجرة، والحية والإبداعية من خلال بيكيت، وشخصياته والحياتية من خلال أسئلة الغد.

شارك الموضوع :

حاتم عودة / مدير الموقع

تعليق على المقال:

0 comments so far,add yours